الشيخ محمد زاهد الكوثري
67
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
ثم العمل بخبر الآحاد ثابت بالدليل القطعيّ المفيد للعلم ، كما نصّ على ذلك أبو الحسن الكرخي ، والسمعانيّ في « القواطع » ، والغزاليّ في « المستصفى » ، وعبد العزيز البخاريّ في « شرح أصول فخر الإسلام » . والاعتقاد عمل قلبي يؤخذ من خبر الآحاد ، كما سبق من فخر الإسلام ، فيكون إنكار أخذ الاعتقاد من خبر الآحاد إنكارا للدليل القطعيّ المفيد للعلم الموجب للعمل بخبر الآحاد ، أعمّ من أن يكون عمل الجوارح ، وعمل القلب - وهو الاعتقاد - ما ذا يكون موقف الكاتب إزاء هذا ؟ حتى على فرض أنّ خبر النزول خبر آحاد ؟ فيعلم أن حفّاظ الأمة ما كانوا عابثين في تدوينهم لأخبار الآخرة والأمور الغيبية في كتبهم ، ولا كان الأئمة لاعبين في تدوينهم السمعيات في كتب العقائد ، رغم خيال هذا الكاتب . ثم تأويل الغزاليّ لقول بعض المحدّثين : « إنّ خبر الآحاد يفيد العلم » بالعلم بوجوب العمل به ، لا يمكن تأويل كلام ابن حزم به ، لأنه ينافي صريح كلامه في « الإحكام » 1 : 124 ، حيث قال بعد سرد مقدّمات : « وإذا صحّ هذا فقد ثبت يقينا أنّ خبر الواحد العدل عن مثله مبلّغا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حقّ مقطوع به ، موجب للعلم والعمل معا » . ومعه في هذا الرأي أناس ذكرهم هناك ، والعالم البعيد عن الهوى لا يقتصر في النقل على ما يحسبه نافعا له بدون تمحيص ، بل يرى الحقّ هو النافع حيثما كان . وحديث نزول عيسى على فرض أنه خبر آحاد ، مما اتّفق البخاريّ ومسلم عليه بدون نكير من أحد من حيث الصناعة الحديثية ، وتلقّاه الأمة بالقبول خلفا عن سلف ، واستمرّ علماء الأمة على اعتقاد مدلوله على توالي القرون ، فيتحتم الأخذ به . هذا إذا فرض أنه خبر آحاد ، فكيف وهو متواتر قطعا ، على ما ذكرنا من نصوص أهل الشأن في ذلك ، فيكون إنكار ذلك بعد الإلمام بأطراف الحديث بالغ الخطورة ، نسأل اللّه السلامة . والمتحقّق في مسألة الرفع والنزول هو الخبر المتواتر . وقد نصّ البزدويّ في آخر بحث المتواتر ، على أنّ منكر المتواتر ومخالفه يصير كافرا ، وذكر في صدد التمثيل للمتواتر « وذلك مثل القرآن ، والصلوات الخمس ، وأعداد الركعات ، ومقادير الزكوات ، وما أشبه ذلك » . ونزول عيسى ليس بأقلّ ذكرا في كتب الحديث من مقادير الزكوات .